عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

84

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

الدنيا . وتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ ( 45 ) وما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّه ومَنْ يُضْلِلِ اللَّه فَما لَه مِنْ سَبِيلٍ ( 46 ) * ( وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها ) * على النار ، ويدل عليه * ( الْعَذابَ ) * . * ( خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ ) * متذللين متقاصرين مما يلحقهم من الذل . * ( يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ) * أي يبتدئ نظرهم إلى النار من تحريك لأجفانهم ضعيف كالمصبور ينظر إلى السيف . * ( وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وأَهْلِيهِمْ ) * بالتعريض للعذاب المخلد . * ( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * ظرف ل * ( خَسِرُوا ) * والقول في الدنيا ، أو لقال أي يقولون إذا رأوهم على تلك الحال . * ( أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ ) * تمام كلامهم أو تصديق من اللَّه لهم . * ( وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّه ومَنْ يُضْلِلِ اللَّه فَما لَه مِنْ سَبِيلٍ ) * إلى الهدى أو النجاة . اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَه مِنَ اللَّه ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ( 47 ) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ وإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنْسانَ كَفُورٌ ( 48 ) * ( اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَه مِنَ اللَّه ) * لا يرده اللَّه بعد ما حكم به و * ( مِنْ ) * صلة ل * ( مَرَدَّ ) * . وقيل صلة * ( يَأْتِيَ ) * أي من قبل أن يأتي يوم من اللَّه لا يمكن رده . * ( ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ ) * مفر . * ( يَوْمَئِذٍ وما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ) * إنكار لما اقترفتموه لأنه مدوّن في صحائف أعمالكم تشهد عليه ألسنتكم وجوارحكم . * ( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) * رقيبا أو محاسبا . * ( إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ ) * وقد بلغت . * ( وإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها ) * أراد بالإنسان الجنس لقوله : * ( وإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنْسانَ كَفُورٌ ) * بليغ الكفران ينسى النعمة رأسا ويذكر البلية ويعظمها ولا يتأمل سببها ، وهذا وإن اختص بالمجرمين جاز إسناده إلى الجنس لغلبتهم واندراجهم فيه . وتصدير الشرطية الأولى ب * ( إِذا ) * والثانية ب * ( إِنْ ) * لأن إذاقة النعمة محققة من حيث إنها عادة مقتضاة بالذات بخلاف إصابة البلية ، وإقامة علة الجزاء مقامه ووضع الظاهر موضع المضمر في الثانية للدلالة على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعمة . لِلَّه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً ويَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ( 49 ) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وإِناثاً ويَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّه عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 50 ) * ( لِلَّه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * فله أن يقسم النعمة والبلية كيف يشاء . * ( يَخْلُقُ ما يَشاءُ ) * من غير لزوم ومجال اعتراض . * ( يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً ويَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ) * . * ( أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وإِناثاً ويَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً ) * بدل من * ( يَخْلُقُ ) * بدل البعض ، والمعنى يجعل أحوال العباد في الأولاد مختلفة على مقتضى المشيئة فيهب لبعض إما صنفا واحدا من ذكر أو أنثى أو الصنفين جميعا ويعقم آخرين ، ولعل تقديم الإناث لأنها أكثر لتكثير النسل ، أو لأن مساق الآية للدلالة على أن الواقع ما يتعلق به مشيئة اللَّه لا مشيئة الإنسان والإناث كذلك ، أو لأن الكلام في البلاء والعرب تعدهن بلاء ، أو لتطييب قلوب آبائهن أو للمحافظة على الفواصل ولذلك عرف الذكور ، أو لجبر التأخير وتغيير العاطف في